تخطي إلى المحتوى الرئيسي
BBC News عربي

مهرجان جرش: كيف أصبحت مدينة "جراسا" الأثرية مسرحاً مفتوحاً للفنون في الأردن؟ - BBC News عربي

31 يوليو 2026 في 07:36 ص
مهرجان جرش: كيف أصبحت مدينة "جراسا" الأثرية مسرحاً مفتوحاً للفنون في الأردن؟ - BBC News عربي

بين المدرجات الرومانية والأعمدة الأثرية، تتحول مدينة جرش إلى مسرح للفنون كل صيف منذ ثمانينيات القرن الماضي، يحتضن مهرجاناً ثقافياً بارزاً يجمع التاريخ والفن في موقع أثري.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

خلال التقدم نحو المسرح الجنوبي لحضور حفل فني في مهرجان جرش في الأردن، تبدو الخطوات وكأنها تعيد الشخص قروناً إلى الخلف في رحلة عبر الزمن إلى بواكير هذه المدينة.

هناك، يكسر صخب الحضور وإيقاعات الموسيقى صمت الحجارة الأثرية التي صمدت لتخبر الأجيال المعاصرة قصة الحضارة الرومانية التي ازدهرت في المكان.

ومنذ انطلاقته الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، يدور المهرجان في مثلث متناغم: المكان، والإنسان، والفن، ما يدفع نحو التساؤل بشأن كيفية تحوّل المدينة الأثرية في جرش إلى موطنٍ لمسرح مفتوح للفنون على مدار عدة عقود.

انطلق المهرجان للمرة الأولى عام 1980 بمبادرة من جامعة اليرموك الأردنية، ثم أصبح مهرجاناً رسمياً في المملكة.

وافتُتحت دورته الأولى عام 1981 ليقام صيف كل عام، بشكل شبه مستمر ليصل إلى دورته الأربعين في هذه السنة، ولم يتوقف إلا خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 وحرب تموز 2006 وأزمة انتشار فيروس كورونا.

يوفر المهرجان الذي يتخذ من المدينة الأثرية في جرش (48 كم شمال العاصمة عمّان) موقعاً رئيسياً للفعاليات الفنية والثقافية، وهو منصة لمجموعة واسعة من المطربين والموسيقيين والفرق الفلكلورية والقراءات الشعرية والأوركسترات السيمفونية ورقص الباليه والحرف اليدوية والعروض الفنية.

تقام العروض في مختلف مسارح الموقع الأثري، ويتجول آلاف الزوار عبر الشوارع العتيقة لتأمل آثار المدينة، والتسوق لشراء المنتجات اليدوية، وحضور المعارض والفعاليات الفنية.

تُظهر مدينة جرش الأثرية دلالات حياة للبشر تعود لما يزيد عن 6500 عام، وهي واحدة من مدن الرومان العشر المعروفة باسم "الديكابولس".

يستحق الانتباهشرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

وكانت تعرف آنذاك باسم "جراسا" أو "جراسيا".

تصف مديرة سياحة جرش السابقة، مشاعل الخصاونة، تجربة الزائر لمهرجان جرش بأنها "تجربة ثقافية متكاملة"، إذ يعيش الزائر التاريخ من خلال الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية.

تعتقد الخصاونة أن استضافة العروض الفنية في مسرح روماني أثري تحمل رسالة ثقافية عميقة، مفادها أن التراث ليس ماضياً جامداً، ما يجسد استمرارية الحياة الثقافية على أرض الأردن.

"أصبحت مسارح جرش الأثرية فضاءً للفنون في التاريخ المعاصر لأنها لم تُحفظ باعتبارها آثاراً صامتة، بل أُعيد إحياؤها لتؤدي وظيفة ثقافية جديدة"، تقول المسؤولة السياحية السابقة.

وتربط الخصاونة بين وظيفة المسارح السابقة ودورها الحالي، قائلةً إن المسارح شُيّدت في جرش قبل نحو ألفي عام لتكون مراكز للعروض المسرحية والموسيقية والخطابية، واليوم تستعيد هذه المسارح دورها فتحتضن الحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية. ووصفت هذه الاستمرارية بـ"جسر بين الماضي والحاضر".

تضم المدينة الأثرية معالم عدة تحتضن فعاليات وأحداث المهرجان منها المسرح الجنوبي الذي بُنيَ أواخر القرن الأول الميلادي، والمسرح الشمالي، وشارع الأعمدة وهو الشارع الرئيسي في مدينة جرش الرومانية وطوله 800 متر، ويضم نحو ألف عمود، ومسرح أرتيمس، ومسرح الصوت والضوء، والساحة الرئيسية، ومسرح "الهيبودروم".

صدر الصورة، AFP via Getty Images

تتميز المسارح الرومانية الأثرية، ومنها مسرحا جرش الشمالي والجنوبي، بخصائص هندسية ومعمارية جعلتها صالحة للعروض الفنية منذ بنائها قبل نحو ألفي عام.

تقول الخصاونة إن المسرحين صُمما وفق أسس هندسية صوتية مذهلة ودقيقة تسمح بانتقال الصوت بوضوح من خشبة المسرح إلى أعلى المدرجات دون الحاجة إلى مكبرات صوت في العصور القديمة، والجمهور المعاصر لا يزال يلاحظ جودة انتشار الصوت.

شُيد المسرح الجنوبي بين عامَي 90 و92 ميلادي، ويتّسع لأكثر من ثلاثة آلاف متفرّج، ويعد المسرح الرئيسي والأهم في مهرجان جرش.

تُمكّن الخصائص الصوتية للمسرح الموجود في وسط أرضية الأوركسترا من إيصال صوته للمدرج كاملاً دون أن يضطر إلى رفع صوته.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

أما المسرح الشمالي، فشُيد في عام 165 ميلادي، وتضمّن المسرح في بداية الأمر 14 صفاً من المقاعد واستُخدم للفنون الأدائية، وفي عام 235 ميلادي، حدثت توسعة ليستوعب المسرح 1600 شخص.

وتوضح الخصاونة أن التصميم نصف الدائري يضمن رؤية واضحة للمسرح من معظم المقاعد، ويخلق شعوراً بالقرب بين الفنان والجمهور، كما أن إنشاء المسارح على منحدرات طبيعية يوفر ثباتاً إنشائياً ويساعد في تحسين الرؤية والصوت.

يبدو لافتاً هذا التواؤم والانسجام بين الأثري والعصري في المهرجان.

وهنا تشير الخصاونة إلى أن الأداء الفني بين الأعمدة الحجرية والمدرجات الرومانية يمنح العرض بُعداً بصرياً استثنائياً، ليصبح المزيج جزءاً من المشهد الفني، فيتفاعل الفن المعاصر مع العمارة التاريخية.

فادي العطيان الذي يزور المهرجان للمرة الخامسة، يقول لبي بي سي وهو يقف متأملاً في الساحة البيضاوية، إن تنظيم المهرجان في هذا الموقع الأثري أضفى عليه روحاً مختلفة، ويُبرز كيفية صمود هذا المكان طوال هذه السنوات.

يصف العطيان المدينة الأثرية بـ"العظيمة"، ويعبّر عن حيرته من كيفية بناء مرافق المكان الأثري بهذه التقنيات الملائمة للحفلات والتجمعات.

ناديا المومني التي اعتادت القدوم سنوياً لمهرجان جرش، نظراً لمحبتها للموقع الأثري حتى أنها تزوره في فصل الشتاء، تقول لبي بي سي إنها تفضّل القدوم لحفلات المهرجان لأن الأماكن مفتوحة تلائمها أكثر، وتشير إلى أن المهرجان عرّفها إلى معلومات جديدة عن تاريخه.

وبينما يتجول الزوار عبر شارع الأعمدة - التي لا تزال قائمة منذ قرون برغم انهيار الحضارة التي شيدتها، قد يلفت انتباههم أيضاً تحرك دودة "عصا موسى" عبر شقوق الأرض بكثافة، ما دعا المنظمين لنشر تطمينات بشأن عدم تشكيل هذه الدودة أي خطر، واصفين إياها بـ"الخجولة".

ولم تعد فعاليات المهرجان تركز على المسرحين الرومانيين بشكل أساسي بعد إضافة مسرح جديد خلال النسخة الحالية يسمى "الهيبودروم" الذي زارته بي بي سي.

الهيبودروم: هو مضمار أثري روماني قديم مخصص لسباقات الخيل والعربات في جرش.

في "الهيبودروم"، يتجمع الجمهور لحضور عروض فنية في مضمار لسباقات الخيل والعربات شُيد في منتصف القرنين الثاني والثالث الميلاديين، فيما تتجول خيالة الأمن الأردني لتوفير ظروف آمنة في ميدان الخيل التاريخي.

ويجلس الحضور على كراسٍ موزعة على أرضية من الرمل والقش أمام منصة يحدها من الخلف 11 قوساً حجرياً أثرياً - تقدم فيها فرقة يونانية عروضها، وكأن أحفاد الإغريق يرقصون بين أحجار تعود إلى حضارة غابرة بناها الرومان.

ميدان لسباق الخيل بناه الرومان في القرن الثاني الميلادي

مسرح مصارعة رومانيةفي القرن الرابع

مسرح فنيفي 2026 أصبح مسرحاً يتسع إلى 3 آلاف متفرج

لا يعد الفضاء الأثري لمهرجان جرش مقتصراً عليه فقط، فهناك مهرجانات وفعاليات أخرى تقدم ذلك المزيج الثقافي الفني والأثري التاريخي.

في تونس، مهرجان قرطاج الذي يقام على مسرح قرطاج الروماني الذي تصل سعته إلى عشرة آلاف متفرج.

وفي لبنان، يقام مهرجان بعلبك في معبد باخوس الروماني، وفي جارتها سوريا مهرجان بصرى كان يُعقد على المدرج الروماني الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي في بلدة بصرى الشام.

المصدر الأصلي: BBC News عربي

يُعيد كورة لايف نشر ملخص إخباري لأغراض التغطية الرياضية مع الإبقاء على حقوق المصدر الأصلي.

اقرأ المزيد على كورة لايف

تصفّح المزيد على كورة لايف (kora live) — البديل الرسمي ليلا شوت (yalla shoot) لمتابعة كرة القدم بث مباشر.